”المظلومية”.. من الشيعة حتى الأخوان!

الشعوب العربية هي شعوب عاطفية بأمتياز، يغلب عليها الطابع العاطفي اكثر من الطابع العقلاني المادي المجرد، ولعل ذلك احد أبرز اسباب التقدم التكنولوجي في الدول الغربية عن نظيرتها العربية، حتى تحول السباق بين الدول العربية والأسلامية للقدرة على الحشد من خلال أضافة المزيد من المواد العاطفية.
لا نقصد هنا بالعاطفة تلك المشاعر الأنسانية بشكل عام، ولن نحصرها حول عدة عواطف هي التي يتم أستخدامها في الشحن والتأييد والرفض عامة، ويتم بواسطتها أيضاً الأستقطاب والتوجيه للتابعين.
ولكن ما يثير الاهتمام هو ان تلك العواطف تحولت لتصبح أحد الاطراف المشكلة للوجدان الانساني والعقيدة في بعض التيارات والمذاهب!
فعلى سبيل المثال مفهوم المظلومية الذي أخذ اتجاه غريب وأصبح مُشكل لأحد أهم الأقطاب الريديكالية الاسلامية في التاريخ، وعلى الرغم من قدم المفهوم وتحولاته الا ان بعض الفرق الحديثة استطاعت إستدعائه مجدداً لتأسيس مذهبي جديد، سأتناولها بالتفاصيل في السطور القادمة.
المظلومية مفهوم شيعي صرف!
استطاع تيار الشيعة في القرون الأولى في الأسلام استغلال فكرة ظلم الصحابة لعلي كرم الله وجهه، بل وألصقوا أحاديث على لسان علي نفسه أثبت العلماء عدم نسبتها له، مثل كتاب "نهج البلاغة" الذي كتبه الحسن الشريف الرضي، في محاولة للتأسيس المذهبي المزعوم، ولكن على الرغم من ذلك لم يستطيعوا اضافة أسس المظلومية في هذا الكتاب بل تم تأويله فيما بعد في الكتب الأساسية للفكر الشيعي، مثل الكافي للكليني وبحار الانوار للمجلسي، فالمتتبع للفكر الشيعي لن يجد كتابات لآل البيت على الأطلاق، وان وجدت فأنها منحولة، يشوبها التدليس والكذب والتجني.
فيتضح ان المظلومية الذين ينادون بها ما هي الا إطار ايدلولوجي تم إبتداعه ومحاوله تأصيله كذباً لخدمه أتجاه سياسي وليس ديني، ولكن بعد العديد من القرون وأختلاط الأفكار تحولت من كونها سياسة إلى مذهب ديني معتمد ومعترف به منهم ومن غيرهم! في تعارض مع النص الديني بوقاحة منقطعة النظير.
فما هي المظلومية في الأساس؟ لنتعرف على المفهوم بطريقة أوضح ينبغي العودة للمرادفة أصطلاحياً ولغوياً، فهي مأخوذه من الظلم، نقيض العدل، وهو حق أنتزع من أهله ليرد في غير أهله، اي الحكم بالباطل، والمظلوم هو من وقع عليه الظلم بأخذ حقه منه، وهذا هو المعنى في العموم، على أختلاف المراجع والمصادر اللغوية المختلفة. اما معنى المظلومية أصطلاحاً فهو التغني وتكرار المطالبة بالحق وإظهار الظلم الواقع كنوع من أنواع المطالبة بتصحيح الاوضاع.
وان كانت المظلومية التي ينادي بها الشيعة انفسهم قد عفى عليها الزمن وانقضى فيها الحكم بوفاة أصحاب الدعوى – في زعمهم –أنفسهم، الا اننا نجد إتجاه وتيارات تطالب بتحقيق العدالة بعد ما يفوق الألفية بكثير، وكأنهم يطالبون الورثة برد الاعتبار!
المظلومية أحد أعمدة العقيدة في الفكر الشيعي وبدونها يسقط المذهب، لذا نجد اللطيميات والنحيب في ذكرى وفاة آل البيت في الدول التي بها أصحاب هذا الأتجاه، وبدلاً من محاولة الفهم والنقاش المذهبي ما بين المذاهب الأسلامية المختلفة نجد طرح لمفاهيم جديدة كالتقية وغيرها للألتفاف للحول دون تصحيح المفهوم، وكيف يصحح ورؤوس المذهب أنفسهم ينتفعون بعدم إصلاحه!
دون الخوض أكثر في السياق لتشعباته وتداخله ينبغي الأشارة لأن ذلك المفهوم – المظلومية – مردود عليه، ولكن التبعيه العمياء من الجهال والتأسيس الربوبي لولاية الفقية تمنع الفرد العادي من إعمال العقل، بل وتجرمه أيضاً بداخل تلك المجتمعات، لذا لا نسمع اصوات بداخلها تنادي بثورة تصحيحية لتلك المفاهيم بل بتأصيلها وترسيخها في الأيدولوجية الجمعية.
المظلومية وسياق التاريخ.. إلى اين؟
ذلك المفهوم وان حضر في أحد المذاهب الا انه منفرداً استطاع التأصيل لتيار مختلف، يسوق أتباعه للطاعة العمياء بتأصيلات فرعية في البداية أخذت الطور التأسيسي ومن ثم أرتقت لتصبح هي الأصل كما عند الحشاشين، وهي فرقة شيعية نزارية.
وبفناء التيار واتباعه وعدم وجود كتابات له أدرج في طيات التاريخ، كمجرد قصة او عبرة عن الأستخدام الفظ للمرادفات في غير محلها للتأسيس السياسي على الديني.
المفهوم أنحسر بعد ذلك في استدعائه الا عند الحاجة، اي بجعله فرع رئيسي لحين تأصيله بما قد يحدث ومخطط له لاحقاً.
المظلومية في الأسلام الراديكالي الحديث..
قد يظن البعض بأننا تجاوزنا تيارات عديدة في سياق التاريخ استطاعت أستخدام المظلومية كتأصيل او ربما كفرع للبناء لمذهبها الديني او السياسي، ولكن التجاوز هذا يقع بسبب هامشية الحركات التي لم تكن تستطيع أحداث تغيير سياسي او اجتماعي او ربما ايدولوجي من خلال كتابتها، ربما لأن منهجهم ركيك فلا يستطيعون صياغته في كتاب او أقصوصة، فلا ينبغي ذكرها او الحديث عنها في سياق البحث عن المفهوم نظراً لغموضه لديهم ولعدم استطاعتهم صياغته بشكل ملائم.
فالمفهوم أستكان في غياهب التاريخ، ولكنه كان حاضراً في المذهب الشيعي، منفرداً بالمذهب عمن سواه، كمذهب أصيل للمفهوم نفسه قائم عليه ويقوم به.
كما اسلفنا بالقول بان المذهب الشيعي قائم على التأؤيل والتقية فانه استطاع الظهور بين ثنايا بعض الكتابات لأصحاب المذاهب الأخرى لكي يحصن نفسه وايضاً استقطاباً بشكل غير مباشر عن طريق تسريب أيدولوجيته من خلال بعض المفاهيم الهامشية.
وهكذا نرى ان بعض التيارات المعاصرة من خلال قراءات منتقاة ترى نفسها قادرة على الحكم من خلال النص الديني، ولكن بشرح مغاير لمذهب اهل المجتمع نفسه، كنوع من انواع التعالي بالفهم الأكبر للنص من خلال مفاهيمهم.
وان كان الأخوان قد استطاعوا الحشد والأستقطاب من خلال الدين الا ان استقطابهم جاء من جهه تفسير للنص الديني وحوادث التاريخ من خلال أليات مشوهه ومعطوبة، أليات مؤدلجة بثنايا الفكر الشيعي القادر على النفاذ من خلال التلاعب والتحايل على المفاهيم وخلق صور في التاريخ لم تكن موجودة، ولكنها اصبحت بالنسبة لهم أصل من خلال وجودها في كتابات مر عليها سنوات طويلة، وكان المدة هي المعيار في الصدق!
لذا نجد التأسيس السياسي لجمعية الشبان المسلمين كبذرة للأستقطاب من خلال الدين، ما لبثت ان تحولت لجماعة أسلام سياسي ما ان استطاعت الحصول على الزخم الشعبي والدعم المادي والمعنوي، وتلك اهم اساسيات نشوء تيارات سياسية او ريدكالية بشكل عام. فكان لازم لتشكيل ايدولوجية الجماعة التأصيل الأدبي والديني والسياسي والمذهبي، وما من احد اقدر على تشكيل تلك الركائز سوى بعض المتخصصين حتى وان كانوا في غير فنهم، فالمعيار لديهم هو قدرة المؤسسين على الأنتشار واستقطاب الأتباع الجدد.
احياناً نجد في ثنايا فكر الأخوان بعض الأفكار المفيدة والتي يشيد بها البعض من العامة او غيرهم، ولكن حكمهم على صدق تلك المقولات تندرج تحت بند الحكم لما يقراءوه وليس لما في ضمير الكاتب نفسه، لذا فتلك القراءات للمقولات فارغة من المضمون وبخاصة انه مقولات للأنتشار والأستقطاب، اما بداخل الجماعة نفسها فهناك يظهر عكس تلك المقولات في التطبيق.
حتى انه في بعض الاحيان نجد ابتداع احكام بداخل الجماعة – قوانين – ليس لها أصل او سند، بأعتبارها أجتهادات مصلحة من داخل الجماعة نفسها، وكان الجماعة أخذت وصاية الأفتاء للجمهور على عاتقها بدون إجازة من المؤسسة الدينية المعتبرة!
المهم ان مؤسس تلك الجماعة قد أغتيل، فكان ولا بد من استدعاء مفهوم المظلومية من جديد، فهو من وجهه نظر الجماعة وأتباعها مجدد للدين، قد بُغي عليه، وينصب مرشد جديد محله.
وينبغي الأشارة لمفهوم المرشد، فعلى الرغم من التأسيس الاجتماعي للجماعة الا ان "المرشد" هو الملهم القائم على فعل الأرشاد، من خلال فهمه لاحوال الدنيا والدين، وكأن الحال لا يستقيم بدونه، فبدلاً من كونه رئيساً للجمعية في أذهان العوام فكان ولابد من استخدام معنى ضمني لمنصبه يضمن له التبعية المطلقة والسلطة التي لا يستطيع ان ينازعه احد فيها، بل وتشكل ايضاً حصانة له بداخل الجماعة!
وبعد أغتياله وتنصيب مرشد جديد فكان لابد من الثورة بداخل الجماعة نفسها، اي بالسعي للأخرين للأرتقاء، فكلا منهم يرى في نفسه مرشد، نظراً لتأثيره في المجتمع وقدرته على الأستقطاب وكثره اتباعه، وسواء ان انكرت الجماعة ام لا فأن كان هناك تيارات داخليه تحاول الانشقاق لتأسيس مذاهب خاصة بها ولكنها أرغمت او قبلت بعروض للأستمرار داخل المنظومة.
فتحول المرشد من المرشد المقتول للمرشد الشهيد، فهاهي الجماعة تمنع قتلاها الشهادة كونها مشرعة، وتنصب مرشد جديد، بل وتتبنى من يحاول الأرتقاء والأنضمام إليها من خلال تبيان مظلوميته، كما في حالة سيد قطب، فعلى الرغم من عدم كونه أحد اعمدة التنظيم الداخلية – او الخاصة – الا انهم يطالبون بمظلوميته ايضاً، فهو وان اعترفوا بكونه منهم فهم جماعة مظلومة، وان كان لا ينتمي إليهم فهم فرد مسلم يحق لهم المطالبة بمظلوميته، هكذا يتم الامر، التأويل من أجل اكتساب اكبر قدر من المصلحة.
وحتى وصولهم الحكم وبيان فسادهم السياسي والاجتماعي بل حتى وصول الأمر لأرهاب المجتمع من أجل الاستمرار في السياسية وتدبير شئون الحكم، الأمر الذي استلزم بالتبعية خروج المجتمع عليهم ولفظهم من نسيجه، كان التأويل حاضراً، واستدعاء المظلومية جاهزاً، والبحث عن ظالم يلبس عبائة الظلم من أجل تلفيق المفهوم، فعلى الرغم من خروج المجتمع بكافة أطيافة الا انهم يحتكرون الظلم في المؤسسة الوحيدة في مصر والتي تستطيع اقصائهم إجراءياً، لذا لا استبعد ان يظل مفهوم المظلومية قائماً مادام الظالم في موقعه من وجهه نظرهم.
لا يستثني المفهوم ايضاً فئات المجتمع التي خرجت، بل انه سيظل يلاحقها، ولكن ليس بقوة ملاحقته لعدوهم الاكبر، فهم وان كانوا استطاعوا التغلل في نسيج المجتمع لتفتيه الا ان الجيش المصري الوحيد الذي لم تستطع الجماعة أرضاخه او التأثير فيه.
لذا يتحول المفهوم في وعينا الحالي كمحاولة للتنبيه فيما يخطط له التنظيم، من هدم للجيش والأنتقام من المجتمع للخروج عليهم، لذا فالمظلومية ستظل حاضرة لديهم حتى التمكين.
مستقبل المظلومية
لا يستطيع أحد ان يتوقع مستقبل المفهوم وكيفية حضوره من جديد، بل نستطيع أعادة تفكيك المفهوم وتحليله ونقده بما يتلائم مع الأوضاع الجديدة، وتتبع تشابكات المفهوم مع القدرة على فهم تأويلاته المختلفة، وحضوره في الوعي المجتمعي، فهو وان انتهى نسبياً الا انه سيظهر من جديد، بشكل جديد، بتضمينات اكثر قساوة ودنائه، ستسمح لمعتنقيه بأرتكاب ابشع الحوادث تحت مسمي الأنتقام ورد الظلم.
وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون.. البقرة 11,12