بين مطالبات رفع الأسعار واستدامة التطوير.. أين تتجه بوصلة شركات الاتصالات في مصر؟
تمكنت شركات الاتصالات في مصر، من تحقيق المعادلة المُثلى خلال السنوات الماضية على مستوى العمليات التشغيلية والمؤشرات المالية رغم تعرضها للعديد من الصدمات، مما ساهم في تعزيز قدرات القطاع وهويته على المستوى المحلي والإقليمي، وذلك بسبب سياسات الشركات المرنة وقدرتها على التوازن فيما يتعلق بتقديم الخدمات وإعادة اختراع نفسها كلما لزم الأمر، لمسايرة التطور في التكنولوجيا وتسارع عملية التحول الرقمي والتي طالت كافة الأوساط وأصبحت خيار الضرورة الذي يعزز نمو الاقتصاد الكلي، والقناة الرئيسية التي تدعم بيئة الأعمال الحالية والمستقبلية.
لكن المحطة التي نقف عندها في الفترة الحالية، والتي يحكمها التداعيات العالمية الصعبة وتسارع مستويات التضخم وارتفاع تكاليف التشغيل والاقتراض أيضا، جعلت إدارات شركات الاتصالات تبحث عن الفرص بشكل أكثر تنوعا لضمان تحقيق الاستدامة المالية والتحوط ضد الأزمات، وفي جوهر هذه السياسات، المطالبات الملحة بزيادة أسعار الخدمات لتكون أكثر ملائمة لتكاليف التشغيل وانخفاض قيمة الجنيه مقابل الدولار، خاصة مع ثبات أسعار الخدمات منذ 5 سنوات، حيث أن آخر زيادة لأسعار خدمات شركات المحمول تمت في عام 2017، وهو ما يعرّضها لتآكل هوامش ربحيتها على المدى القصير والمتوسط، حيث يعد متوسط سعر دقيقة المحمول في مصر الأرخص في الشرق الأوسط.
يأتي ذلك وسط احتدام المنافسة في سوق الاتصالات المصري في ظل ارتفاع نسب انتشار الخدمة، على المستوى التجاري والأفراد، خاصة مع تنوع الخدمات المقدمة في ظل التحول الكبير نحو توطين مراكز البيانات وانتشار المدن الذكية وتطور الخدمات الحكومية والمدفوعات الرقمية، مما دفع قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لتحقيق معدلات نمو بلغت نحو 16.7% فى العام المالي 2021/2022 مقارنة بمعدل نمو 16.1% في العام المالي 2020/2021؛ ليصبح القطاع هو الأعلى نموا بين قطاعات الدولة المختلفة على مدار أربع سنوات متتالية، كما بلغت نسبة مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي لمصر 5% في العام المالي 2021/2022.
ويستند القطاع في طريق المستقبل على أسسس قوية، تتمثل في المؤشرات المالية القياسية التي حققها خلال الفترة الماضية، إلى جانب معدلات التشغيل المتميزة، وأيضا التنوع القائم في المشروعات التي تعمل عليها الشركات وأيضا تنوع الشركات التي تعمل في السوق المحلي في قطاعات نوعية، وتتميز بقوة العلامات التجارية الخاصة بها، حيث تعمل في مصر 4 شركات لخدمات الهاتف المحمول، هي “فودافون مصر” التابعة لمجموعة “فوداكوم” الجنوب إفريقية، و”أورنج مصر ” التابعة لمجموعة “أورنج” الفرنسية، و”اتصالات مصر” التابعة لـ”e&” الإماراتية، و”المصرية للاتصالات” التابعة للحكومة والتي تمتلك حصة 45% من أسهم “فودافون مصر”.
لكن التحديات قائمة وبقوة وفقا للمحللين رغم استقرار القطاع لحد كبير، والتي يعد أبرزها اختبار التحمل الحالي بالأسعار القائمة ومدى تجاوب جهاز تنظيم الاتصالات في مسألة رفع أسعار خدمات الاتصالات من جهة، ونسبة الارتفاع أيضا من جهة أخرى بين مطالبات تصل إلى 30% وحسابات اجتماعية قد تعطل أو تخفض هذه النسبة، وعلى الجانب الأخر فهناك معضلة إدارية تتمثل في ضرورة وضع خطط تنفيذية متطورة بشكل مستمر لنموذج عمل الشركات للمنافسة في عصر التحول الرقمي وتقديم المنتجات الرقمية الاستهلاكية والمنتجات الرقمية للمؤسسات وتقديم حلول في كافة المجالات.
فإلى أين تتجه بوصلة شركات الاتصالات في ظل هذه المتغيرات؟ وإلى أي مدى ستخضع لاختبارات تحمل تتمكن فيها من مواصلة النمو والبناء على النجاحات السابقة؟
احتواء الاضطرابات
شركات الاتصالات في مصر تمكنت بشكل كبير من احتواء تأثيرات التداعيات العالمية الأخيرة وأصدائها المحلية وإن كان بالفعل قد أثرت على هوامش ربحيتها بشكل خاص مع ارتفاع تكلفة التشغيل بسبب ارتفاع الأجور وتزايد معدلات التضخم وأيضا الاقتراض، حيث نجحت الشركات في تحقيق عائدات قوية خلال الربع الأول من العام الجاري بقيمة تقترب من 37 مليار جنيه مقارنة بنحو 27.9 مليار جنيه نفس الفترة من العام الماضي .
وقال نعمان خالد المدير المساعد في أرقام كابيتال، إن
قياس الأرقام يشير إلى مدى قوة القطاع وقدرته على مواصلة النمو خلال الفترة المقبلة مع اعتبارات رفع الأسعار المتوقع ، وأيضا التنامي الكبير في التحول الرقمي على مستوى الدولة ككل ، منوها إلى أن الحكومة تنفذ خطط توسعية كبيرة في تعزيز خدمات الشمول المالي والبنية التحتية الرقمية ومازال هناك مجال كبير للنمو ، وتوافر العديد من الفرص الاستثمارية التي سيكون اقتناصها متوقف على مدى جاهزية كل شركة وقدراتها المالية والتشغيلية.
وأشار نعمان خالد، إلى أن الشركات يجب أن لاتتوقف عند حدود رفع الأسعار كمحور هيكلي في تعزيز معدلات النمو ومواصلة النجاح، وإن كان هذا المحور مهما إلا أنها تحتاج بالتوازي مع مطالباتها المستمرة في هذا الإطار للعمل بشكل شمولي في عملية التحول الرقمي، بحيث تتنوع في تقديم خدماتها لتنويع مواردها المالية والتحوط من الضغوط والتحديات النقدية ، وأيضا العمل على تبني سياسات تشغيلية تعمل على تخفيض التكاليف والاعتماد على التطور التكنولوجي القائم كالذكاء الاصطناعي والتوسع في الاعتماد على الطاقة المتجددة خاصة مع تنوع استثماراتها خلال العام الجاري.
ووفقا للمعلن من الشركات، تستهدف “فودافون مصر” ضخ استثمارات بقيمة تتراوح بين 4.5 إلى 5 مليارات جنيه خلال العام الجاري فى تقوية الشبكة وتطوير خدماتها، فى حين خصصت شركة أورنج مصر استثمارات تصل قيمتها إلى نحو 4 مليارات جنيه لدعم وتحسين الشبكة، في حين تستهدف “اتصالات مصر من &e” ضخ استثمارات تتراوح بين 5 و6 مليارات جنيه، بينما تركز المصرية للاتصالات “WE” على التوسع في استثماراتها بواقعية تنوع إيراداتها القوي.